“غريغوريوس حداد” بطريرك النصارى وإمام المسلمين

بقلم فارس الرفاعي – زمان الوصل
عندما مات عام 1928 شارك في جنازته 50 ألف مسلم دمشقي من بينهم عدد كبير من شيوخ المسلمين، وقيل إن المسلمين أرادوا الصلاة عليه في الجامع الأموي الكبير لقرب مناقبه من الإسلام حتى أن الكثيرين أسموه محمد “غريغوريوس” و”أبو الفقراء والمسلمين،” إنه البطريرك غريغو ريوس حداد الذي كان شخصية إنسانية عظيمة وعلى درجة عالية من الوطنية والتسامح، وواحداً من رجالات سوريا الذين عرفوا قيمة الوطن وصانوه ودافعوا عنه وعن أبنائه بالحب والعطاء. علاقته مع الإسلام والمسلمين مثال يحتذى به في التسامح والمحبة.
ولد البطريرك”غريغوريوس”في دمشق في 9 أيار سنة 1869 من عائلة أرثوذكسية تقية لقنته حب الكنيسة والوطن واحترام الأديان الأخرى أدخله والده للدراسة في “المدرسة الآسية” التي كانت تُدعى بالإضافة إلى “الآسية” بالمدرسة الأرثوذكسية الكبرى، حيث استمر إلى عام 1880.
عندما أصبح في الحادية عشرة من عمره اتخذه الأرشيدياكون (كبير الشمامسة) أثناسيوس عطا الله (مطران حمص لاحقاً) تلميذاً خاصاً له، وصار يتردد إلى دار البطريركية ويواظب على دروسه في المدرسة، في 10 تموز سنة 1885، التحق بأستاذه الأرشمندريت أثناسيوس عطا لله في دير مار إلياس شويا البطريركي في ضهور الشوير بعد أن تولّى هذا الأخير رئاسته، فمكث هناك مناظراً لأعمال الدير، إلى أن نُصّب الأرشمندريت أثناسيوس عطا الله مطراناً على أبرشية حمص وتوابعها فالتحق بالعمل الديني معه.

فرّق تسد

في 6 شباط سنة 1894، رُسم شماساً في كنيسة الثالوث الأقدس (في مدرسة خالكي)، وفي 4 تموز من العام ذاته، حاز شهادة معلم في اللاهوت التي كانت تمنحها المدرسة بتقدير ممتاز.
وبالرغم من تبعيته للمقر البطريركي، كان في الفترة مابين 1894-1897 بمعية مربية مثلث الرحمات مطران حمص عطالله كشماس وواعظ في كنيسة الأربعين شهيدا ومدرّسا في المدارس الغسانية الأرثوذكسية بحمص. في 25 أيلول عام 1897، دخل الأكاديمية الروحية في كييف في روسيا القيصرية لتلقي العلوم اللاهوتية العالية واستمر فيها حتى نيسان 1900.
في 6 شباط سنة 1906 عاد إلى دمشق بسبب وفاة البطريرك الأنطاكي ملاتيوس، وفي 31 كانون الثاني 1908، تم انتخابه مطراناً على أبرشية طرابلس التي شغرَ كرسيُها انتخاب مطرانها غريغوريوس حداد بطريركاً للكرسي الأنطاكي.
ما فتئت سلطات الانتداب الفرنسي منذ أول وجودها في سوريا تحاول شق الكنيسة الأرثوذكسية على مبدأها المعروف “فرّق تسد” بالعزف على نغمة “سوري ولبناني”، لذلك راحت تعمل في الخفية على تقسيم بطريركية أنطاكية إلى بطريركيتين: سورية في دمشق، ولبنانية مقرها بيروت لإضعاف كلمة الأرثوذكس بصفتهم متجذرين في أرضهم وقوميتهم العربية..
وفي ربيع سنة 1920، إثر مؤتمر دمشق الذي نادى باستقلال سوريا الطبيعية وبايع الوجهاء والأعيان فيه فيصلاً ملكاً عليها، كان البطريرك في طليعة المبايعين. ولما رجحت كفّة الفرنسيين واضطر فيصل الى أن يبرح دمشق في تموز من العام نفسه كان غريغوريوس الوحيد الذي خرج لوداعه حفظاً للعهد وثباتاً على العقد.حيث قال له: “إن هذه اليد التي بايعتك ستبقى على العهد إلى الأبد”. فما كان من الملك فيصل سوى أن قبّلها باكياً ..
وعندما شعرت حكومة الانتداب الفرنسي بأن سياستها لم تجدِ نفعاً في عهد مثلث الرحمات البطريرك غريغوريوس، استكانت ثم استغلت موته عام 1928 لتدقّ إسفيناً أسفر عن حصول انقسام في المجمع الأنطاكي المقدس وفي الرعية أدّى إلى انتخاب بطريركين للكرسي الأنطاكي في آن واحد هما مطران اللاذقية السيد أرسانيوس (حداد) وقد انتُخِبَ في دير القديس جاورجيوس الحميراء البطريركي في وادي النصارى، ومطران طرابلس السيد الكسندروس (طحان) في المقر البطريركي بدمشق. وعندما نجحت السياسة الفرنسية بهذا الشكل وحصلت الأزمة البطريركية التي شقت الرعية الأنطاكية في ابرشيات الوطن والاغتراب.
” كان البطريرك غريغوريوس قديساً ذا سيرة لا عيب فيها، دائم التفقد والسؤال عن أبناء دمشق وخاصة زمن مجاعة “السفر برلك”- كما يقول الباحث جوزيف زيتون- ويضيف: لن يكون من المبالغة إن قلنا إنه كان مرجعاً للفقراء والمعوزين والمنكوبين، ودائم الطواف مع عدد من رجال الكنيسة في الأزقة والحارات ليقف بنفسه على حاجيات الفقراء، وكان في كثير من الأحيان يحضرهم إلى دار البطريركية والمدرسة التي تقابلها ويعتني بإعالتهم وكثيراً ما كان يُطعمهم بيده غير ناظر إلى مِلَلهم مستديناً المال لذلك” وذكر المؤرخ محمد كرد علي رئيس المجمع العلمي العربي الأول (1920) أن المطران غريغوريوس الرابع حداد بطريرك انطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس وإبان مجاعة السفربرلك التي اجتاحت شعوب المنطقة في سنوات الحرب الكونية الأولى (1914 – 1918)، “استنهض البطريرك الهمم لمساعدة الجائعين والبائسين، وفتح أبواب البطريركية في دمشق لإطعام الجياع بصرف النظر عن الدين والمذهب، وحتى الوافدين من بيروت، ورهن البطريرك غريغوريوس حداد أوقاف البطريركية والأديرة كلها للاستدانة، وباع مقتنيات الكنائس وأوانيها الذهبية والفضية التي تحكي تراث البطريركية الروحي. وحتى أنه باع صليبه الماسي الذي يضعه على قلنسوته والذي كان قيصر روسيا نقولا الثاني قد أهداه له عام 1913م فقام البطريرك غريغوريوس دمشقي بألف ليرة عثمانية وعندما لاحظ أحد أغنياء المسلمين ذلك قام بفك رهنه وإعادته إلى البطريرك ولكنه باعه من جديد دون أن يدري به أحد وحفظ مثيلاً له من زجاج”. وبذا خسرت البطريركية الأرثوذكسية كل ممتلكاتها ولكنها ضربت أروع مثل في أخوة الإنسانية والأرض.

بكاء في حضرة القرآن

قصص وحكايات المطران غريغوريوس الإنسانية وفضائله على أهل دمشق أكثر من أن تُحصى، وفي هذا السياق يروى إنه رأى من نافذة مكتبه في إحدى المرات أحد رجال الكنيسة يدفع رجلاً جاء سائلاً رغيف خبز إلى خارج البطريركية، فدعا البطريرك رجل الكنيسة وطلب منه إحضار رغيف خبز وقال له: “أنظر إلى الرغيف، هل كتب عليه اسم من سيأكله؟ أعطه إلى كل محتاج يأتي إلى البطريركية، فالرغيف ليس لأهل البطريركية بل لكل طارقٍ لأبوابها”.
كما ذُكر عنه أنه كان في أحد الأيام زمن الحرب العالمية الأولى “السفر برلك” خارج الكنيسة، فالتقى بعدة نسوة مسلمات فشكين الجوع له قائلات: “نريد خبزاً يا أبا المساكين. نريد خبزاً لأطفالنا الجائعين!”، فعاد أدراجه إلى دار البطريركية وأمر بأن توزّع عليهنّ المؤن من البطريركية، ثم قفل على نفسه راكعاً يصلي بين الساعة الرابعة من بعد الظهر والحادية عشرة ليلاً. ولما جاءه طبّاخ البطريركية عارضاً إعداد بيضتين مقليتين بالسمن مع رغيف وقطعة حلوى، أجاب: “لا يليق بي أن آكل وغيري يتضوّر جوعاً!”، ثم أمر بأن يُعطى طعامه لأول فقير يمرّ بالبطريركية في الغد”.
ومن القصص المؤثرة التي تدل على تسامحه وتأثره بالقرآن الكريم أنه كان في دمشق شيخ بدمشق يدعى “محمد شميسم” وهو أحد حفظة القرآن الكريم، وكان ضريراً ورخيم الصوت، جاء يشكو للمطران “غريغوريوس” أحد أبناء رعيته بديْن له عنده، فطيّب المطران خاطره ووعده بتحصيل دينه شريطة أن يتلو على مسامعه سورة “مريم”. فلبّى الشيخ شميسم الطلب وتربّع متأدّباً وأخذ يتلو بصوته الجهوري الجميل السورة الكريمة حتى أنهاها… ويقول مرافق الشيخ الضرير أن دموع الخشوع أخذت تنهمر من عينيّ المطران “غريغوريوس” على لحيته وتتساقط منها على صدره… وبعد أن انتهى الشيخ من التلاوة قام المطران إلى غرفته الخاصة وأحضر المال المطلوب للشيخ شميسم ودفعه له”.
رحل البطريرك غريغوريوس في 17حزيران عام 1958 عن عمر ناهز 89 سنة قضاها في خدمة الوطن والدين وشيع جثمانه من بيروت إلى دمشق، فاستقبلت الحكومة السورية جثمانه على الحدود بإطلاق مئة طلقة من المدفعية تحية له، فيما كانت الجماهير تصرخ: “مات أبو الفقير، بطريرك النصارى وإمام المسلمين، فيما نزلت بالعرب الكارثة العظمى”! وأرسل الملك فيصل من بغداد إلى دمشق مئة فارس على الخيل ليشتركوا في التشييع، كما يروى إن الجثمان عندما وصل إلى ساحة الشهداء في بيروت شرع أحد التجار المسلمين يرش الملبس على الطريق أمام الجثمان قائلا: “إن هذا القديس أعالني أنا وعائلتي طيلة الحرب العالمية الأولى”.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

About Adnan Mouhiddin عدنان محي الدين